مراجعة فيلم Dunkirk

يتجمع آلاف الكومبارس سوية على شريط ساحل ضيق،
والطائرات الحربية تزمجر عالياً عبر السماء في تشكيلات مثالية، ثلاث وجهات نظر وأزمان مختلفة تتكشف وتتقاطع سوية. أقل ما يمكن أن أقوله حول Dunkirk هو أنه فيلم طموح ورائع، وينجح المخرج Christopher Nolan بإنجاز كل شيء فيه ببراعة تامة، وتقديم فيلم حربي مذهل وغير تقليدي.

يروي الفيلم قصة عملية إجلاء لمجموعة من جنود الحلفاء العالقين على شواطئ فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. حيث تقطعت السبل بما يقارب 400 ألف جندي يحيط بهم الجيش الألماني، وليس أمامهم سوى أيام معدودة للهروب. إنه لا يشبه أية أفلام حربية أخرى لأنه لا يتمحور حول مواجهة أو قتال العدو بل مجرد محاولة البقاء على قيد الحياة.

خلافاً لأفلام الحرب العالمية الثانية الأخرى مثل Saving Private Ryan أو الفيلم الأحدث Hacksaw Ridge، لا يطيل Dunkirk التركيز على المشاهد الدموية لجثث مشوهة ليوصل الصورة المرعبة للحرب. في الواقع كلمة “رعب” ليست الكلمة الصحيحة هنا، حيث يستحضر الفيلم شعور الهلع المطلق: القوات الضخمة تطوق الناس العاديين وتهدد بسلب حياتهم.

لحظات من الصمت الغريب تخترقها أصوات هادرة فجأة، أصوات إطلاق نار حادة وهدير طائرات الـ Spitfires في السماء. تصميم الصوت مذهل، وقد أمضيت مشاهد كاملة ملتصقاْ في مقعدي المريح في سينما الـ IMAX. ويضاعف من هذا الشعور الموسيقى التصويرية المذهلة من تأليف Han Zimmer، والتي تلعب دوراً حاسماً في إضفاء شعور كبير من التشويق والتوتر على الفيلم. (حتى أنني قد ضحكت بضعة مرات عن غير قصد لأنني لم أجد وسيلة أخرى لمواجهة التوتر المتصاعد).
لكن وسط كل هذه الأصوات والعنف، يمتلك الفيلم هدوءاً من نوع خاص. إذ لا يوجد الكثير من الحوار خلال فترة عرضه التي تستمر على طول 106 دقائق، وهذا قرار جريء، خلق هكذا صرامة على مستوى الحبكة والشخصيات، لكن هذا لم يزعجني على الإطلاق.

في الواقع هناك مشهد واحد يتم فيه الكشف عن بعض المعلومات، وفيه يسمع جنديين عن طريق المصادفة ضباطاً يستعرضون وضعهم الرهيب، لكن بالمقارنة مع معظم الأفلام، لا يوفر الفيلم معلومات عميقة تقريباً، بل ركز Nolan بدلاً من ذلك على المحنة الحالية فقط، وينطبق الأمر على الشخصيات أيضاً، حيث لا نجد أحداً يستمتع برواية قصص لأصدقائه حول حياته في الوطن أو إلقاء خطب موزونة، إنهم مجرد شباب يشعرون بالذعر، ليسوا أكبر من فتيان يحاولون البقاء على قيد الحياة فحسب. هذا كل ما تحصل عليه وهو كل ما احتجت إلى معرفته. فلم تمنعني قلة معرفتي بتفاصيل كل فرد منهم من الشعور بالخوف على سلامتهم. هناك مشهد واحد يتضمن طياراً حربياً جعلني حرفياً أتشبث بمقعدي من التوتر، والتفصيل الوحيد الذي تمكنت من ملاحظته كانت لهجته الاسكتلندية. حتى من دون معرفتك للكثير حول أولئك الرجال لا زلت ستشعر بالخشية على حياتهم.

يؤدي الممثلون أداءً بارعاً مع القليل جداً من الحوار. إن هذا الطاقم المليء بالممثلين المجهولين مقنع للغاية، ويبرز Harry Styles في أداء رائع في بعض المشاهد الأكثر دراماتيكية والتي يؤديها بمهارة تفوق خبرته. فهو بكل تأكيد بارع بالتمثيل. ويدعم طاقم الممثلين اليافعين أداء مذهل لكل من Kenneth Branagh بدور ضابط البحرية و Tom Hardy بدور الطيار RAF البارع. لكن يعود الأداء الأبرز من دون أي شك للممثل Mark Rylance بدور السيد Dawson البطل الصامت الذي يستجيب للنداء ويبحر في يخته نحو Dunkirk وإلى داخل الحرب.

يتحرك Dunkirk بهدوء بين المشاهد الكبيرة والصغيرة، اللحظات المدوية والتفاصيل العرضية، خبز مغطى بمربى الفراولة، أصابع يد مدماة، والقوة المنعشة لفنجان شهي من الشاي. (إنها قصة حرب بريطانية في نهاية المطاف).
لا يتم طمس الاستعارات بشكل كبير، لكن سرعان ما يصبح الأمر واضحاً: يتحول Dunkirk إلى رحلة عذاب للرجال العالقين هناك. فالموطن أمام أعينهم، لكن الجحيم ليس بعيداً للغاية أيضاً. يغادر الرجال على متن القوارب فقط ليتم رميهم مرة أخرى على الرمال. ونفهم هذه النقطة من خلال بعض البصريات المذهلة، مع الشاطئ رمادي اللون المغطى بالضباب، والذي يبدو بأنه قد أصبح منفصلاً عن الزمان والمكان.

الفيلم برمته يخطف الأنفاس بمجرد النظر إلى بصرياته، والذي تم تقديم كل إطار فيه ببراعة مذهلة. وصالة IMAX هي من دون أي شك الطريقة المثلى لمشاهدته، مع تصوير ما يقارب 75% من لقطاته لكي تلائم هذه الصيغة، ما يخلق تجربة مذهلة وغامرة.

كما هو الحال في العديد من أفلام Nolan، الوقت ذو أهمية بالغة هنا أيضاً. حيث نشهد الأحداث من 3 وجهات نظر مختلفة: البر والبحر والجو، وكل منهم يتكشف بنسب مختلفة، مع أسبوع ويوم وساعة على التوالي. ومع تقدم الفيلم تبدأ الأحداث التي تصور جنود المشاة اليافعين والبحارين المدنيين القادمين لإنقاذهم وطياري سلاح الجول الملكي البريطاني الذين يحرسونهم من الأعلى بالترابط بطرق مفاجئة ومرضية. وعلى الرغم من أن هذه التركيبة غير الاعتيادية قد تؤدي أحياناً إلى لحظات من الإرتباك العابر، ففي بضعة مرات لم أكن واثقاً ما إذا كنت أشهد حدثاً جديداً أم مكرراً لكن من زاوية مختلفة، إلا أن هذه ليست بمشكلة كبيرة، إنها مجرد تعثر صغير يمكن غفرانه بفضل التأثير الأكبر الذي يخلقه، حيث يتصاعد التوتر والقلق عندما تشاهد هذه الجداول الزمنية الفريدة وهي تقترب أكثر فأكثر وتتصادم في نهاية المطاف. إن الفيلم بأكمله يبدو كما لو أنك تشاهد قنبلة موقوتة.

الخلاصة

لا يركز فيلم Dunkirk على الرعب الذي تشهده الحروب، بل ينجح بدلاً من ذلك في تصوير شعور الهلع المطلق من خلال الأفعال البشرية الصغيرة ومشاهد الصراع الصاخبة. إنه لا يروي قصة حرب تقود نحو النصر، بل هو انسحاب، إنه هزيمة شائنة. فالحرب ستستمر لخمس سنوات أخرى، لكن من خلال أحداثه الإعجازية، لا يتمكن Nolan وطاقم بارز يجمع بين ممثلين يافعين غير معروفين ونجوم مشاهير من تصوير قسوة القوى اللاإنسانية الساحقة فحسب، بل أيضاً مدى قوة الأعمال الأخلاقية والشجاعة.

بقلم ديما مهنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

رجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock